السيد نعمة الله الجزائري

145

الأنوار النعمانية

المكان ؟ فيقول هذا مكانك في الجنّة ، وهذا الريحان منه ، فعند ذلك يضطرب ويقول عجّلوني عجّلوني ، ويرشح جبينه عرقا ، فعند ذلك الوقت يحب لقاء اللّه ويحب اللّه لقاءه ، وان كان كافرا أتى اليه ملك الموت وكشف له عن مكانه في النار حتى يعاينه ، فعند ذلك يقول ردّوني ردّوني فيكره لقاء اللّه ويكره اللّه لقاءه . وإلى هذه الألطاف الألهيّة أشير حيث قال تعالى في الحديث القدسي ما ترددت في شيء انا فاعله مثل تردّدي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت واكره مسائته ، فكراهته للموت انّما هي قبل المعاينة ، وتردّده تعالى كناية عن ايصال تلك الألطاف اليه حتى توجبه الرضا والقبول ، مع انّ الموت أمر قد رغبت عنه وعافته الأنبياء والأولياء وغيرهم ، امّا رغبة الأخيار عنه فلأنّهم أرادوا تحصيل أعالي الدرجات والفوز بما لديه من القربات ، وأسبابه لا تكون الّا قبل الموت ، فأحبّوا الحياة رغبة فيما بعد الموت . وامّا رغبة الأشرار عنه فلما قال مولانا الحسن عليه السّلام حين سئل يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما بالنا نكره الموت وأنتم لا تكرهونه ؟ فقال عليه السّلام : لأنّكم عمرتم منازلكم هذه وخرّبتم تلك المنازل فلا تحبّون الانتقال من عمران إلى خراب ، وامّا نحن فنقلنا كلّ ما عندنا من الأثاث إلى تلك الدار فخربنا هذه وعمرنا تلك ، فنحن نحب الانتقال من خراب إلى عمران ، مع انّ هذه الحياة الدنيا ممّا جبلت الطبيعة على حبّها وطلبها ، ولذا لا ترى أحدا يطلب الموت الّا إذا تضايقت عليه أسباب الحياة ، امّا بفقر أو بكبر سن أو بخوف من عدوّ أو نحو ذلك ، وامّا وقت اتساع أسباب الحياة فهو ممّا لا يخطر بباله بوجه من الوجوه ، ومن هنا كان صلّى اللّه عليه وآله يقول : اللّهم اجعل رزق محمد وآل محمد كفافا لا كثيرا فأطغى ولا قليلا فأشقى ، وقد دعا إلى رجل أساء اليه بكثرة الرزق ، ودعا لرجل أحسن اليه بالكفاف ، فقيل له في ذلك . ! فقال : أما سمعتم قوله تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى إذا عرفت هذا : فاعلم انّ أول من عرف الموت وكرهه أبونا آدم عليه السّلام ، روى الصدوق طاب ثراه باسناده إلى الأمام أبي جعفر الباقر عليه السّلام قال : انّ اللّه عزّ وجلّ عرض على آدم عليه السّلام أسماء الأنبياء وأعمارهم قال : فمر بآدم اسم داود النبي عليه السّلام فإذا عمره في العالم أربعون سنة ، فقال آدم : يا رب ما أقل عمر داود وما أكثر عمري ؟ يا رب انا زدت من عمري ثلاثين سنة أثبت ذلك له ؟ قال : نعم يا آدم ، قال : فانّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة فأنفذ ذلك له وأثبتها له عندك وأطرحها من عمري ، قال أبو جعفر عليه السّلام فأثبت اللّه عز وجل لداود عليه السّلام من عمره ثلاثين سنة ، وكانت له عند اللّه مثبة فذلك قول اللّه عز وجل يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ قال : فمحا اللّه ما كان مثبتا لآدم وأثبت لداود ما لم يكن عنده مثبتا ، قال : فمضى عمر آدم فهبط عليه ملك الموت ليقبض روحه